السيد كمال الحيدري
309
شرح بداية الحكمة
تتمة السوفسطي ، المنكر لوجود العلم ، غير مسلِّم لقضية ) أولى الأوائل ( ؛ إذ في تسليمها اعتراف بأنّ كل قضيتين متناقضتين فإن إحداهما حقّة صادقة . ثم السوفسطي ، المدعي لانتفاء العلم والشاكّ في كل شيء ، إن اعترف بأنه يعلم أنه شاكّ ، فقد اعترف بعلم ما ، وسلّم قضية أولى الأوائل ، فأمكن أن يلزم بعلوم كثيرة تماثل علمه بأنه شاكّ ، كعلمه بأنه يرى ويسمع ويلمس ويذوق ويشمّ ، وأنه ربما جاع فقصد ما يشبعه ، أو ظمأ فقصد ما يرويه . وإذا ألزم بها ألزم بما دونها من العلوم ، لأن العلم ينتهي إلى الحس كما تقدم [ في الفصل الثاني ] . وإن لم يعترف بأنه يعلم أنه شاكّ بل أظهر أنه شاكّ في كل شيء وشاك في شكّه لا يدري شيئاً ، سقطت معه المحاجّة ، ولم ينجع فيه برهان . وهذا الإنسان إما مبتلى بمرض أورثه اختلالا في الإدراك ، فليراجع الطبيب ، وإما معاند للحق يظهر ما يظهر لدحضه ، فليُضرب وليؤلّم وليمنع مما يقصده ويريده ، وليؤمر بما يبغضه ويكرهه ، إذ لا يرى حقيقة لشيء من ذلك . نعم ، ربما راجع بعضهم هذه العلوم العقلية وهو غير مسلح بالأصول المنطقية ولا متدرب في صناعة البرهان ، فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بين الإثبات والنفي والحجج التي أقاموها على كل من طرفي النقيض ، ولم يقدر لقلة بضاعته على تمييز الحق من الباطل ، فتسلّم طرفي النقيض في مسألة بعد مسألة ، فأساء الظن بالمنطق وزعم أن العلوم نسبية غير ثابتة ، والحقيقة بالنسبة إلى كل باحث ما دلّت عليه حجّته .